Monday, November 30, 2009

المفكر الجزائري .. مالك بن نبي


المفكر الجزائري .. مالك بن نبي
(1323-1393هـ = 1905-1973م)
المفكر الجزائري .. مالك بن نبي

من كتاب من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة – المستشار : عبد الله العقيل
معرفتي به :
تربطني بالمفكر الجزائري الأستاذ الكبير مالك بن نبي روابط فكرية ، حيث سعدت بقراءة أول كتاب له بالعربية وهو (الظاهرة القرآنية) وشدتني لقراءته والتمكن فيه المقدمة التي دبجتها براعة الأديب اللغوي الكبير الأستاذ محمود محمد شاكر ، فضلاً عن أن مترجم الكتاب الدكتور عبد الصبور شاهين من الزملاء الأعزاء الذين جمعتني وإياهم روابط العقيدة والعمل المشترك في ميدان الدعوة إلى الله فكان اضطلاعه بالترجمة حافزاً لي لقراءة كتاب عن مؤلف لا أعرفه من قبل ، ثم تتابعت قراءاتي لما صدر بعد ذلك من كتبه المترجمة إلى العربية والتي وجدت فيها نظرة تستوعب مشكلات الحضارة وحل معضلات العصر وبناء شخصية المسلم المعاصر ؛ البناء العقدي الايجابي المبني على النظر والتدبر في حقائق الكون والحياة والنفس الإنسانية ومساربها ومحاربة التخلف الفكري والحضاري لمواجهة ضرورات العصر ومنطلقاته ।
ثم شاء الله أن ألتقي المفكر الجزائري أول مرة في الكويت حين دعوناه للموسم الثقافي هناك أواخر الستينات ، وكان لنا معه حوارات وندوات وأحاديث ومناظرات ، خرجت منها بأن الأستاذ مالك بن نبي طراز فريد من المفكرين الذين يستخدمون العقل في تعضيد ما ورز بالنص ويؤثرون التحليل للمشكلات ودراستها استيعاب ويطرحون الحلول لمعضلات على ضوء التصور الإسلامي وفي ظل القرآن وهدي السنة .

من تلامذته :
ولقد تأثر به قطاع عريض من الشباب في المغرب والمشرق على حد سواء ، فكان منهم الأستاذ رشيد بن عيسى من الجزائر ، والأستاذ عمر مسقاوي من لبنان ، والأستاذ جودت سعيد من سوريا ، ود. عبد الصبور شاهين من مصر وغيرهم من الذين حملوا الفكر الإسلامي المعاصر ، فلقد كانت المدارس الفكرية للبنا والمودودي وسيِّد قطب ومالك بن نبي ، ينتظم في عدادها الألوف من شباب العالم الإسلامي والعربي على وجه الخصوص .

مؤلفاته وآثاره :
لقد أسهم الأستاذ مالك بن نبي بالعديد من المؤلفات التي ترجم بعضها إلى اللغة العربية كلها تدور حول مشكلات الحضارة وفي مقدمة هذه الكتب : كتاب (الظاهرة القرآنية) وكتاب (وجهة العالم الإسلامي) وكتاب (الفكرة الأفريقية الآسيوية) وكتاب (شروط النهضة) وكتاب (يوميات شاهد للقرن) وكتاب (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) وكتاب (آفاق جزائرية) وكتاب (المسلم في عالم الاقتصاد) وكتاب (لبيك) وكتاب (بين الرشاد والتيه) وكتاب (إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث) وكتاب (تأملات) وكتاب (في مهب المعركة) وكتاب (فكرة كومنولث إسلامي) وكتاب (القضايا الكبرى) وكتاب (مشكلة الثقافة) وكتاب (ميلاد مجتمع) وكتاب (من أجل التغيير) وكتاب (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة) وكتاب (دور المسلم ورسالته في القرن العشرين) وغيرها كثير بالعربية والفرنسية .
ولقد أحدثت موضوعات هذه الكتب أثرها في توعية الشباب عن الاستعمار الغربي الذي يجثم على صدور الشعوب الاسلامية ، وأساليبه في إذلال هذه الشعوب ، كما تكلم مالك بن نبي عن النهضة وشرائطها والحضارة الغربية وطرق مواجهتها والشخصية المسلمة ومواصفاتها ، ولقد لفت الأستاذ مالك بن نبي نظر الأمة الاسلامية إلى أن الأخطر من الاستعمار هو القابلية للاستعمار ، لأن النفوس إذا ضعفت وانهزمت من داخلها فمعنى هذا أنها ستكون خير وعاء لاستقبال الاستعمار والرضا به والسير وراء حضارة الغالب والتخلي عن أمجاد الماضي وأصالته ، والالتصاق بكل ما يرد من المستعمر من خير وشر وحلو ومر وصواب وخطأ ، دون تمييز أن انتقاء بل بتقليد المغلوب للغالب والعبد للسيد ، وأوضح لها بأن القوي الغالب هو الله ، فلا غالب إلا الله ، وأن المسلم الحق هو الأعلى وأن الاسلام هو الدين الحق وأن المستقبل للاسلام .
ومن هذه النظرة المعتزة بدينها والمستعلية بإيمانها الآخذة بخير ما في الحضارات المعرضة عن سؤءاتها ، أهابت مؤلفات مالك بن نبي بأمة الاسلام أن لا تكون من عبيد الاستعمار وأن لا تكون مسخرة لأعماله ولا سوقاص لمنتجاته وأن لا تفقد أصالتها بتقليده في كل شيء حتى الأفكار كما يفعل المستغربون والمخدوعون بحضارة المستعمر من العلمانيين والحداثيين والإمعات الراكضين وراء كل ناعق .

مولده ونشأته :
إن الأستاذ مالك بن نبي الذي ولد سنة 1905م بمدينة قسنطينة بالجزائر وهو ابن الحاج عمر بن الخضر بن مصطفى بن نبي ، ثم انتقلت أسرته وهو طفل إلى بلدة (تبسة) وهناك بدأ يتردد على الكتاب لتعليم القرآن الكريم وفي نفس الوقت يدرس بالمدرسة الابتدائية حيث كان فيها متفوقاً وبعدها انتقل إلى التعليم الثانوي بمدينة (قسنطينية) وكان وقتها يحضر دروس الشيخ ابن العابد في الجامع الكبير والشيخ مولود بن مهنا .
وكان يميل إلى القراءة منذ صغره فقرأ في الشعر الجاهلي والأموي والعباسي ، وتأثر بشعر امرئ القيس والشنفري وعنترة والفرزدق والأخطر وأبي نواس وحتى أصحاب المدرسة الحديثة كحافظ إبراهيم ومعروف الرصافي وشعراء المهجر كجيران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وكان بقرب بيته مقهى وبالقرب منها مكتب الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، فيلتقي فيه التيار الناشئ من المدرسين وأتباع ابن باديس حيث تأثر بهما كمدرستين أحدهما سياسية والأخرى إصلاحية ، وبعد التخرج من الثانوية مارس أعمالاً عدة ثم سافر إلى فرنسا سنة 1930م لغرض الدراسة في معهد الدراسات الشرقية فلم يتيسر له ذلك فسجل نفسه في (معهد اللاسلكي) ثم التحق بمدرس الكهرباء ، وتخرج من باريس مهندساً سنة 1935م وكانت دراسته تنصب في معرفة أمراض العالم عموماً الجزائر خصوصاً وتشخيص علاجها واقتراح الحلول لها. ويعتبر أن الدين أصل الحضارات، لأن الحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي من السماء يكون للناس شرعة ومنهاجاً .
وإن الدين إذا ضعف في نفوس أصحاب، فقد الإنسان جانبه الروحي والتصق بالأرض وما عليها التصاقاً يعطل ملكات عقله ويطلق غرائزه الدنيوية من عقالها لتعيده إلى مستوى الحياة البدائية. ثم رحل إلى مصر سنة 1956م ثم عاد إلى الجزائر سنة 1973م حيث توفي في شهر أكتوبر من العام نفسه.

أفكاره ومدرسته :
وقد أعطى الفكر الإسلامي عصارة أفكاره وخلاصة تجاربه واستقطب العديد من شباب المشرق والمغرب الذين اتخذوا من أفكاره مناهج للتعامل مع الحضارة المعاصرة بأخذ الصالح منها وإطراح الطالح وتسخير العقل لأعمال النظر في التراث الإنساني وإخضاعه للمقاييس والمعايير الإسلامية التي تريد للإنسان أن يعيش عزيزاً مكرماً في هذه الدنيا التي استخلفه الله فيها ليعمرها بعمل الخير وفعل المعروف وإحسان العبادة لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
إن الأستاذ مالك بن نبي – رحمه الله – كان شعلة نشاط وكان منظراً فكرياً ودارساً متعمقاً ، قد الفكر الإسلامي الأصيل الذي أعاد لشباب الأمة ثقته في دينه والتزامه بمفاهيمه وتطبيقه لأحكامه ، فالتقى تلامذته وحملة أفكاره بتلامذة المودودي ، وتلامذة سيد قطب ، فكان هؤلاء ومن قبلهم تلامذة حسن البنا هم ركائز الصحوة الإسلامية الراشدة في العالم الإسلامي كله وتيارها الديني الذي سيجرف بإذن الله كل المفاهيم والأفكار العلمانية التي نشرها الاستعمار وروج لها الغرب في ديار المسلمين .
وسيطرة الحل الإسلامي بديلاً عن الحلول المستوردة التي جنت على أمتنا وفرقتها شيعاً وأحزاباً وطوائف وقوميات ، فالحل الإسلامي هو فريضة وضرورة وهو العلاج لكل المشكلات والمجيب عن كل التساؤلات والمداوي لكل الجراحات .
من هذا المنطلق كانت كتابات هؤلاء العمالقة من المفكرين الإسلاميين ، تشد الشباب لتبروؤ مكان الصدارة والسير قدماً إلى الأمام في ركب الحضارة المعاصرة والتي تستلهم ماضي الأمة وأمجادها في شق طريقها نحو الحياة الحرة الكريمة في ظل الإيمان .
وإذا كان مالك بن نبي قد امتلك زمام التعريف الحضاري بمعظم جوانب العطاء الإسلامي للحضارة البشرية ، فإنني أرى أن الآثار التي خلفها لنا هذا المفكر الإسلامي هي بعض الزاد الحضاري الإسلامي الذي يمكن للمسلمين اليوم أن يطرحوه أمام العالم ، فالأفكار التي طرحها مالك بن نبي أفكار ناضجة في ميادين العلاقات الدولية والنظم السياسية والفكرية والثقافية والتربوية والتنموية مما تحتاجه المجتمعات البشرية الحديثة .
ولقد قدّم الأستاذ مالك بن نبي الأنظمة الإسلامية في قالب حضاري وأسلوب معاصر كما تمكن من تجزئة الاحتياجات الحضارية للمجتمعات البشرية حيث فصلها وطرح البديل الإسلامي مقارناً مع النظم الإنسانية الوضعية ، فكان بهذا الأسلوب صاحب مدرسة مقارناً مع النظم الإنسانية الوضعية ، فكان بهذا الأسلوب صاحب مدرسة نقلت في العالم جوهر الإسلام وبدائله التي تتقزم أمامها كل النظريات البشرية الوضعية ، الأمر الذي رسخ الاعتزام بالإسلام وحلوله في نفوس المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، وحصن أفكارهم التي كانت في مطلع هذا القرن تستهل قبول الفكر التغريبي المادي الذي سيطر فترة من الزمن على بعض العقول .

شهادة بحقه :
يقول الاستاذ الكبير أنور الجندي : (فقد العالم الإسلامي واحداً من أعلام الفكر الإسلامي الحديث هو الأستاذ مالك بن نبي المفكر الجزائري الذي قدم في السنوات الأخيرة عدداً من المؤلفات البارعة حول موضوع (الإسلام ومواجهة الحضارة) فهو موضوعه الأول وقضيته الكبرى التي حاول منذ أكثر من عشرين عاماً أن يقدم فيها وجهة نظر جديدة نابعة من مفهوم الإسلام نفسه ومرتبطة بالعصر في محاولة لإخراج المسلمين والفكر الإسلامي من احتواء الفكر الغربي وسيطرته وكسر هذا القيد الضاغط الذي يجعل الفكر الإسلامي يدور في الدائرة المغلقة التي نقله إليها اجتياح التغريب والغزو الثقافي لقيمه عن طريق المدرسة والثقافة والصحافة وفي محاولة لدفع المسلمين إلى التماس مفهومهم الأصيل والتحرك من خلال دائرتهم المرنة الجامعة القائمة على التكامل والوسطية والمستمدة لقيامها الأساسية من القرآن .
والجديد في دراسات مالك بن نبي ورسالته بالنسبة لمدرسة اليقظة الإسلامية المتصلة بالعرى منذ نادي الإمام محمد بن عبد الوهاب بأول صوت عال كريم في سبيل إيقاظ المسلمين على كلمة التوحيد في العصر الحديث ثم تتابعت الحلقات في دعوات متعددة قام بها الإمام محمد بن علي السنوسي ومحمد بن أحمد المهدي وجمال الدين ومحمد عبده ورشيد رضا وحسن البنا وغيرهم .
هذا والجديد أن حامل لواء هذه الفكرة رجل ولد في أول هذا القرن في الجزائر ، المحتلة بالاستعمار الفرنسي وقد ولد في قسنطينة التي خرجت الإمام عبد الحميد بن باديس ، وشهد في مطالع حياته ذلك الجو القاتم المظلم الذي حاول الاستعمار فيه أن يخرج الجزائر من الإسلام ومن اللغة العربية جميعاً ، وقد كانت له جذوره التي استمدها من بيئة مسلمة أصيلة حافظت على تراثها واستطاعت أن تعتصم بالقرآن ، فلما أن أتيح له أن يتم تعليمه أوفد إلى باريس ليدرس الهندسة في جامعتها ، فلم يصرفه ذلك عن معتقده وإيمانه فكان مثلاً للصمود في وجه اجتياح التغريب ومحاولة الاحتواء التي سيطرت على الكثيرين من أبناء المسلمين الذي أتيحت لهم الدراسة في الغرب ، فلما أن أتم دراسته وأحرز شهادته وجد الأبواب كلها قد أغلقت أمامه ، وأحس أن تصميمه على تمسكه بمعتقده سيحول بينه وبين الوصول إلى مكانته كمهندس وعالم ، فلم يثنه ذلك شيئاً وواجه الموقف في إيمان ورضا بكل شيء في سبيل أن لا تجتاحه الأهواء المضلة ، ولقد حاول الاستعمال معه كل محاولة من إغراء وتهديد حتى عزل والده في الجزائر عن عمليه واضطر مالك بن نبي أن يترك بيئته كلها وقد اتفاضت بدعوة ابن باديس ولجأ إلى مكة المكرمة فأقام بها ثم قدم القاهرة فأخرج فيها موسوعة عن الحضارة في أكر من سعبة عشر كتاباً كان يكتبها بالفرنسية ويترجمها الدكتور عبد الصبور شاهين إلى العربية ثم لم يلبث بعد أن توسعت اجتماعاته بالمسلمين في مكة والقاهرة أن حذق العربية وبدأ يكتب بها رأساً وكشف ن تلك الأزمة العاصفة التي تواجه المؤمنين الثابتين على عقائدهم في وجه الإغراء .

وقد قامت نظرة مالك بن نبي على مفهوم أسماه (القابلية للاستعمار) وقد دعا المسلمين إلى التحرز من هذا الخطر وذلك بالعودة إلى الاستمداد من مفهوم الإسلام الأصيل المحرر بالتوحيد عن وثنية العصر وماديته .. انتهى .

ندوة عن أفكاره :
وقد أقيمت ندوة دولية في ماليزيا سنة 1991م عن فكر مالك بن نبي وأطروحاته تحدث فيها كل من : أنور إبراهيم وزير المالية الماليزي والدكتور عبد الله عمر نصيف الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ونوقشت فيه أوراق عمل لكل من : أسماء رشيد من باكستان عن مقارنة الفكر الاقتصادي لدى كل من العلامة محمد إقبال خاصة كتاب (علم الاقتصاد) ومالك بن نبي خاصة كتابه (المسلم في عالم الاقتصاد) والورقة الثانية للدكتور عمار الطالبي من الجزائر وموضوعها (فكر مالك بن نبي وعلاقته بالمجتمع الإسلامي المعاصر) والورقة الثالثة للدكتور ظفر إسحاق الأنصاري من باكستان وموضوعها (رؤية مالك بن نبي وتقويمه للتيارات الفكرية والسياسية المختلفة التي تكمن وراء الأوضاع الراهنة في العالم الإسلامي) .
أما الورقة الرابعة فهي للبروفيسور محمد كمال حسن من ماليزيا وموضوعها (تأملات حول بعضها أفكار وأطروحات مالك بن نبي) .
أما الدكتور عبد الصبور شاهين أبرز من ترجموا مؤلفات مالك بن نبي من الفرنسية إلى العربية فقد قال : إن حياة مالك بن نبي ككاتب ومفكر عرفت طورين رئيسيين : طور ما قبل مصر ، حيث كان يعيش ما بين بلاده الجزائر ، وفرنسا التي تعلم فيها ، والطور الثاني يبتدئ بقدومه إلى القاهرة سنة 1956م ، حيث ابتدأت رحلته كمفكر إسلامي نتيجة احتكاكه برجال العلم والفكر الإسلامي ، وبدأ يتعرف على مصادر الثقافة الإسلامية الأصلية .
كما كانت صلته الطيبة برجال الحكم بمصر آنذاك مجالاً متنفساً للكتاب الإسلامي في ذلك الوقت حيث أن السلطات الثورية ، كانت قد ضربت حصاراً على الكتاب الإسلامي إبان حملتها الشرسة على الحركة الإسلامية. مضيفاً أنه في هذا الإطار كان يسرب كل ما يترجمه لمالك بن نبي إلى الشهيد سيد قطب داخل السجن .
إن مالك بن نبي – رحمه الله – كان أحد عمالقة الفكر الإسلامي في هذا العصر ، وقد قدم الفكرة الإسلامية ، وأحسن عرضها على جماهير الأمة الإسلامية خاصة شبابها الذي ترك فيهم الآثار الطيبة .
ومهما كان في هذه الأفكار من ملاحظات فهي بمجموعها تشكل رافداً من روافد الفكر الإسلامي المعاصر يمد الشباب بالزاد الفكري الذي يقف في وجه الأفكار المستوردة من الشرق والغرب على حد سواء .
رحم الله الأستاذ مالك بن نبي وجزاه الله عما قدم خير الجزاء .

من كتاب من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة – المستشار : عبد الله العقيل

الشيئية في فكر مالك بن نبي وعبدالوهاب المسيري

أحب أن أشارك في هذه الندوة بمزاوجة لنظرة المفكر الكبير مالك بن نبي( الجزائري )بنظرة الدكتور
المسيري (المصري) رحمهما الله، فيما يخص ما اشتركا في تسميته بـ "الشيئية"
فمالك يقول إن لحظة الأزمة في مجتمع ما تحدث حينما يكون في عالمه الثقافي انقطاع لحبل التوازن لصالح طغيان عنصر من العناصر الثلاثة (الأشياء، الأشخاص، الأفكار).* كما يستخدم مصطلح الشيئية ليقرر أنها قد تكون في المجتمع المتقدم والمتخلف: "ففي بلد متخلف يفرض الشيء طغيانه بسبب ندرته ... أما في البلد المتقدم فإن الشيء يسيطر بسبب وفرته وينتج نوعا من الإشباع .... وذلك بالهروب إلى الأمام الذي يدفع الإنسان المتحضر دائما إلى تغيير إطار الحياة والموضة ... فالشيء يطرد الفكرة من موطنها حين يطردها من وعي الشبعان والجائع"
أما المسيري ومن خلال تتبعه لكثير من الظواهر المحيطة في المجتمع فهو يؤكد إفلاس الحضارة المادية الحالية من الأفكار وتمركزها التام حول الأشياء فعدد الأقواس الصفراء (علامة ماكدونالد) أكثر في المجتمعات الغربية من عدد الصلبان !! بل إن الإنسان الذي من المفترض أن يكون محور هذه الحضارة أصبح مجرد آلة تأكل لتعمل وتعمل لتأكل فيقول: " ألن يتحول هذا الإنسان إلى إنسان وظيفي متكيف لا توجد في حياته خصوصية أو أسرار، إنسان قادر على تنفيذ كل ما يصدر إليه من أوامر دون أن يثير أي تساؤلات أخلاقية أو فلسفية؟"
اخترت أن أضرب مثلا لأمزج بين هذين المفكرين من خلال نظرتهما المشتركة لما أسمياه بالشيئية، وإن كنت اعلم أن المشترك بينهما أكثر بكثير من هذا। وهنا أحب أن أشير إلى إعجابي الشديد بطريقة تحليلهما للظواهر الاجتماعية وفق نماذج ومعادلات يمكن الاعتماد عليها للوصول إلى تصور دقيق وتنبأ بالمستقبل للعديد من موجات الحراك الاجتماعي التي تظهر بين الفينة والأخرى.

بقلم : م حسن الحازمي

***********

هامش1: هذه المزاوجة اقدمها ضمن مبادرة امة واحدة

هامش: يرجي مشاهدة فيديو استراتيجية الريادة علي يمين المدونة

لفهم نظرية الافكار والاشخاص والاشياء


تقديم كتاب شروط النهضة ...مالك بن نبي

العنوان: شروط النهضة
المؤلف:
مالك بن نبي
الناشر: دار الفكر المعاصر، 2006
عدد الصفحات: 176
تقديم: حسن الحازمي - مدونة مدرسة الحياة


هدف هذا الكتاب هو فتح آفاق عملية للوصول لنهضة عربية وإسلامية كما يذكر د عبد العزيز الخالدي في تقديمه للكتاب। خرج الكتاب أولاً بالفرنسية في 1948م ثم بالعربية في 1957 م।





الباب الأول بعنوان الحاضر والتاريخ و بدأه بأنشودة رمزية ثم تحدث عن دور الأبطال وركز فيه على الاستعداد للتضحية بعيدا عن البحث الحقيقي عن ثمرة هذه التضحية أو السعي لإزالة الأسباب المؤدية للحاجة إلى هذه التضحية، كما ذكر أن "مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته".
المبحث الثاني في هذا الباب عن دور السياسة والفكر وتحدث عن اثر الكلمة ووجوب توظيفها للانتقال من جرأة فرد إلى ثورة شعب، ومن قوة رجل إلى تكاتف مجتمع. ومما ورد فيه "إن تكوين الحضارة كظاهرة اجتماعية إنما يكون في الظروف والشروط التي ولدت فيها الحضارة الأولى".
دور الوثنية ويركز أولا على الزوايا والأضرحة التي كانت تملئان البلد ثم الانتقال إلى "الزوايا ذات الطابع السياسي والأصنام المزوقة بأسماء جديدة" ومن الكلمات الجميلة التي وردت "غير نفسك تغير تاريخك" و "لقد أصبحنا لا نتكلم إلا عن حقوقنا المهضومة ونسينا الواجبات" و قوله: "(إننا نطالب بحقوقنا) تلك الحقوق الخلابة التي يستسهلها الناس فلا يعمدون إلى الطريق الأصعب : طريق الواجبات."
الباب الثاني: المستقبل وبدا بأنشودة رمزية ثم من التكديس إلى البناء، وذكر فيه "ففي الوثائق نجد أن كل مصلح قد وصف الوضع الراهن تبعاً لرأيه أو مزاجه أو مهنته. فرأى رجل سياسي كجمال الدين الأفغاني أن المشكلة سياسية تحل بوسائل سياسية، بينما قد رأى رجل دين كالشيخ محمد عبده أن المشكلة لا تحل إلا بإصلاح العقيدة والوعظ...الخ على حين أن كل هذا التشخيص لا يتناول في الحقيقة المرض بل يتحدث عن أعراضه. وقد نتج عن هذا أنهم منذ مائة عام لا يعالجون المرض، وإنما يعالجون الأعراض"
"لقد دخل المريض إلى صيدلية الحضارة الغربية طالباً الشفاء، ولكن من أي مرض ؟ وبأي دواء ؟ و بدهي أننا لا نعرف شيئاً عن مدة علاج كهذا، ولكن الحالة التي تطرد هكذا تحت أنظارنا منذ نصف قرن، لها دلالة اجتماعية يجب أن تكون موضع تأمل وتحليل. وفي الوقت الذي نقوم به بهذا التحليل يمكننا أن نفهم المعنى الواقعي لتلك الحقبة التاريخية التي نحياها، ويمكننا أيضاً أن نفهم التعديل الذي ينبغي أن يضاف إليها." "إن الحضارة هي التي تلد منتجاتها ومن السخف أن نبني حضارة بشراء منتجاتها" و "الحضارة الشيئية – التكديس"
وكمهندس نجده يعرض حله من خلال معادلة:
إنسان + تراب + زمن، إضافة إلى الدين كعامل مساعد = حضارة
فمشكلة النهضة عنده تتحلل إلى ثلاث مشكلات أولية: مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب، ومشكلة الوقت، فإقامة نهضة لا يكون بتكديس المنتجات، وإنما بحل هذه المشكلات الثلاث من أساسها.
تحدث بعدها عن الدورة الخالدة فكما يمر الإنسان في حياته بمراحل متعددة من الطفولة والصبا والشباب والقوة ثم الشيخوخة ثم الموت، كذلك تمر الحضارات بمراحل ثلاث:
فهناك مرحلة الإقلاع، ثم مرحلة البنيان والتمدين، ثم مرحلة الهبوط من هذا السقف التمديني وصولا إلى الانحطاط الحضاري.
العدة الخالدة ويقصد بها الوقت = الزمن = ساعة العمل.
كما يفرد فصلا طويلا للحديث عن أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة من خلال تتبع فلسفي وتاريخي لهذه النقطة، فأكبر نقص في الفكر الماركسي هو تجاهله لهذه النقطة، فالدين هو المروض الأقوى للروح.
في عرضه لشروط النهضة ركز على الإنسان وفصل في طريقة النهوض به من خلال توجيهه في نواحي ثلاثة :توجيه الثقافة وتوجيه العمل وتوجيه رأس المال.
توجيه الثقافة ويفصل في الفرق بينها وبين العلم ويعرف الثقافة بأنها "هي مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه، فهي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته."
ولتوجيهها نحتاج إلى التوجيه الأخلاقي و التوجيه الجمالي و المنطق العملي ويقول في الحديث عن المنطق العملي: "إن الذي ينقص ليس منط الفكرة، ولكن منط العمل والحركة، فهو لا يفكر في العمل، بل ليقول كلاما مجردا أكثر من ذلك। فهو أحيانا يبغض أولئك الذين يكرون تفكيرا مؤثرا، ويقولون كلاما منطقيا من شأنه أن يتحول في الحال إلى عمل ونشاط."
وتوجيه الصناعة بمعناها الشامل عند ابن خلدون – ثم أهمية المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي في بناء الحضارة وكيف نحتاجهما معا وإلا حصل السقوط لإبراز الجمال وضياع الخلق. وكعادته وضع معادلة: مبدأ أخلاق + ذوق جمالي = اتجاه حضاري.
بعدها يحتاج الإنسان لتوجيه العمل ويضرب مثلا بأول عمل قام به الرسول صلى الله عليه وسلم عندما وصل المدينة "بناء المسجد" العمل بشعار "كل جهد يستحق أجرا" و قوله "فلنكرم اليد التي تمسك بالمبرد فمنها ستنبثق المعجزات التي ننتظرها".
كما نحتاج لتوجيه رأس المال ويفرق هنا بين الثروة ورأس المال المتحرك والمستثمر.
يعرض مشكلة المرأة و التطرف في الجانبين من اختزال للمرأة في الفراش أو مطالبتها بالعمل لكسب عيشها كالرجل. ويتحدث عن مشكلة الزي وعن الفنون الجميلة.
العنصر الثاني للحضارة كما يرى هو التراب وحين يتكلم عن التراب لا يبحث في خصائصه وطبيعته، ولكن يتكلم عن التراب من حيث قيمته الاجتماعية، وهذه القيمة الاجتماعية للتراب مستمدة من قيمة مالكيه، فحينما تكون قيمة الأمة مرتفعة، وحضارتها متقدمة، يكون التراب غالي القيمة، وحيث تكون الأمة متخلفة يكون التراب على قدرها من الانحطاط، كما تحدث عن تفريطنا في هذه الأرض بكل ما فيها، وركز على حاجتنا للحفاظ عليها فهي عماد حضارتنا.
العنصر الثالث عنده هو الوقت فيقول: " وحينما لا يكون الوقت من أجل الإثراء أو تحصيل النعم الفانية، أي حينما يكون ضرورياً للمحافظة على البقاء، أو لتحقيق الخلود والانتصار على الأخطار، يسمع الناس فجأة صوت الساعات الهاربة، ويدركون قيمتها التي لا تعوض، ففي هذه الساعات لا تهم الناس الثروة أو السعادة أو الألم، وإنما الساعات نفسها. فيتحدثون حينئذ عن (ساعات العمل)، فهي العملة الوحيدة المصقلة التي لا تبطل، ولا تسترد إذا ضاعت، إن العملة الذهبية يمكن أن تضيع، وأن يجدها المرء بعد ضياعها، ولكن لا تستطيع أي قوة في العالم أن تحطم دقيقة، ولا أن تستعيدها إذا مضت."
مباحث صغيرة يختم بها مالك عرضه لشروط النهضة من خلال الحديث عن الاستعمار والشعوب المستعمرة و نظر كل منهما للآخر.
كما يذكر قاعدته الذهبية التي عُرف بها وهي معامل القابلية للاستعمار: "لكيلا نكون مُستعمرين يجب أن نتخلص من القابلية للاستعمار".
ويختم بمشكلة التكيف الذي يحصل من كثير من الشعوب التي تتكيف مع الاستعمار، فيكون البحث هنا وهناك عن حلول ليست حقيقية وإنما هي أوهام الرجل الوحيد والحل الوحيد وننسى المشكلة الرئيسية التي هي مشكلة الحضارة أولا وقبل كل شيء.
وبهذا يختم كتابه الذي تبرز فيه عاطفة من يريد الخير للبشرية جميعا فرحمك الله يا مالك.
27/6/2009
4/7/1430
قولد كوست - استراليا
************************
تقديم: م. حسن بن شوقي جعبور الحازمي
عضو هيئة التدريس بكلية الهندسة - جامعة جازان
مبتعث لدرجة الدكتوراه - جامعة جريفث قولد كوست , استراليا

كتاب سعيد النورسي .. حركته ومشروعه الإصلاحي في تركيا


سعيد النورسي .. حركته ومشروعه الإصلاحي في تركيا


تأليف : د. آزاد سمو
عرض : حواس محمود

يتناول المؤلف حياة العلامة بديع الزمان سعيد النورسي ومشروعه الإصلاحي في تركيا. يشير المؤلف الى أن العديد من الكتاب والباحثين قد تناولوا جوانب متعددة من حياة وفكر وجهاد النورسي، ولكن مع ذلك فهنالك الكثير من الجوانب الأخرى التي هي بحاجة للبحث والدراسة لم يتناولها الباحثون الذين درسوا تجربة النورسي وبحسب المؤلف فانه لا يمكن دراسة تاريخ تركيا خلال القرن العشرين .
بعيدا عن ذكر الاستاذ النورسي ودوره المؤثر والواضح في الكثير من الأحداث التي شهدتها تركيا خلال القرن المنصرم، وما تتميز به شخصية النورسي هو انها تستوقف قارءها أكثر من غيرها من الشخصيات، فالأستاذ النورسي يتميز عن غيره بتأثيره العجيب على الشخص المقابل، ولا زال تأثيره باقيا على من يطالع رسائلـــــه ( رسائل النور) وكذلك طريقته وأسلوبه في العيش وتعامله مع الآخرين وشخصيته التي جمع فيها عدة شخصيات.
إن ماتم التركيز عليه من قبل المؤلف وما افتقدته الدراسات الأخرى هو الجانب الحركي والتنظيمي وهي من الجوانب المهمة في حياة النورسي، وكذلك كرديته واهتمامه بشعبه الكردي وإصلاحاته داخل المجتمع الكردي جانب لا يقل أهمية عن الجوانب الأخرى، لقد عاصر الاستاذ النورسي مرحلتين من مراحل الحكم في تركيا وهما مرحلة حكم السلاطين ومرحلة الجمهورية، وقد قضى الاستاذ النورسي ( 48) سنة من عمره في المرحلة الأولى في عهد سلاطين آل عثمان، فالأستاذ النورسي ولد سنة 1293 هجرية 1876م أي نفس السنة التي تولى السلطان عبد الحميد الثاني عرش السلطنة، كما عاصر كلا من السلطان محمد الخامس ومحمد السادس، والسلطان عبد المجيد الثاني الذي يعد آخر السلاطين العثمانيين، فقد ألغيت الخلافة الإسلامية في عهده، أما السنوات المتبقية من عمر النورسي وهي ( 36) عاما فقد قضاها في ظل الحكم الجمهوري في تركيا.
ويعرف المؤلف حركة النور أو حركة رسائل النور التي أسسها النورسي بأنها جماعة إسلامية إصلاحية أسسها الأستاذ سعيد النورسي في كردستان تركيا، تتلقى تعليماتها من نور القرآن الكريم وهدفها إبراز مزايا القرآن الكريم، وإنقاذ البشر من الزيغ والضلال، وتجدر الاشارة إلى أن حركة النور هي نسبة إلى كلمة ( النور) وليست الى النورسي مؤسس الحركة، كما يتوهم البعض، يحدد المؤلف سنة 1899 م كبداية لمرحلة جديدة من مراحل عمر الحركة وهي بداية الانعطاف في مسيرة النورسي الدعوية والإصلاحية، وفيما يتعلق بمشروعه الإصلاحي يشير المؤلف إلى جانبين من الإصلاح هما إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع.
لقد سلك النورسي في إصلاح المجتمع مسلك الأطباء في معالجتهم للمرض، فكما يقوم الطبيب في بداية الأمر بتشخيص المرض فإذا اكتشفه تمكن من اختيار الوصفة الطبية المناسبة لذلك المرض بكل يسر وسهولة، كذلك قام النورسي في بداية الأمر بتشخيص علة المجتمع فحددها بست علل وبعد تشخيصها حدد لكل علة من تلك العلل الدواء الناجع، ويشير المؤلف إلى أن النورسي قد تحدث عن أخطر العلل في الخطبة الشامية التي ألقاها في الجامع الأموي بدمشق سنة 1911 م بقوله: “ لقد تعلمت الدروس من مدرسة الحياة الاجتماعية، وعلمت في هذا الزمان والمكان أن هناك ستة أمراض جعلتنا نقف على أعتاب القرون الوسطى في الوقت الذي طار فيه الأجانب وخاصة الأوروبيين نحو المستقبل، وتلك الأمراض هي :
أولا : حياة اليأس الذي يجد فينا أسبابه وبعثه.
ثانيا : موت الصدق في حياتنا الاجتماعية والسياسية.
ثالثا : حب العداوة.
رابعا: الجهل بالروابط النورانية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض.
خامسا : سريان الاستبداد سريان الأمراض المعدية المتنوعة.
سادسا : حصر الهمة في المنفعة الشخصية “.
ويتناول النورسي الاستبداد ويرى أن سبل ووسائل مواجهة الاستبداد هي النقاط التالية :
أولا : الدعوة الى الحرية ونشرها بين الناس.
ثانيا : تطبيق الشورى والديموقراطية في الحكم.
ثالثا : الفصل بين السلطات.
رابعا : خضوع الحاكم للمراقبة والمحاسبة.
خامسا : الابتعاد عن الأنانية.
ومعظم هذه السبل التي حددها النورسي نتلمس الحاجة اليها في أيامنا المعاصرة، وعموما الكتاب جدير بالقراءة والمتابعة لمفكر إسلامي نهضوي ( قليلة هي الدراسات العربية عنه وعن مشروعه الإصلاحي ) عاش حياة عاصفة مليئة بالمتاعب والهموم على يد السلاطين وفيما بعد المنفى والتشرد على يد مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة العلمانية في تركيا.


هامش :

الكتاب : سعيد النورسي حركته ومشروعه الإصلاحي 1876- 1960
المؤلف : د. آزاد سمو
الناشر: دار الزمان دمشق ط1 2008
الصفحات 344 ق كبير

Friday, November 20, 2009

الإنطلاقات الحركية وإشكالياتها


بقلم : محمد مصطفى – يقظة فكر
1- مفهوم الانطلاق الحركى .
2- العقائد ( المرجعيات العليا ) .
3- الايديولوجيا .
4- الاستراتيجية الحركية ( منهج العمل ) .

لقد شهدت بلادنا منذ بدايات القرن الماضى بزوغ الكثير من الحركات ، سواءً كانت هذه الحركات متمحورة حول قضايا التحرر الوطنى ، أو حول قضايا سياسية ، أو فكرية ، أو دعوية ، أو قضايا الإصلاح العام فى المجتمع ، هنا أتعرض سريعاً لأهم أشكال الانطلاقات الحركية ، و الإشكاليات التى تواجه هذه الانطلاقات ، ذلك أننا – اليوم – فى بلادنا – نحتاج إلى حركات تنويرية واعية ، تعمل فى كافة المجالات ، مستفيدةً من التاريخ الحركى الذى سبقها ، قادرةً على تلافى السلبيات و الأخطاء التى وقعت فيما مضى .
1- مفهوم الانطلاق الحركى :ما أقصده بالإنطلاق الحركى ؛ المنظومة التى تعتمدها الحركة – أياً كان تخصصها – فى نشاطها العام مع المجتمع و الأطراف الأخرى التى تحتك بها ، و هذه المنظومة تتشكل من ثلاثة أركان أساسية هى المنطلقات ، الوسائل ، الغايات و الأهداف .
المنطلقات : و هى النقاط الابتدائية – أو كما نسميها الثوابت – التى تضعها الحركة لنفسها ، و تحدد على أساسها الأهداف التى تريد الوصول إليها انطلاقاً من هذه الثوابت ، و الوسائل التى ستمكنها من الوصول إلى هذه الأهداف .
الوسائل : هى كافة السبل و الطرق الممكنة التى تسلكها الحركة فى إطار ثوابتها و ضوابطها للوصول إلى أهدافها و غاياتها .
الأهداف : وهي الأهداف المرحلية لكل مرحلة من مراحل العمل ، طبقاً لخطة هذه المنظمة أو الحركة ، كما أقصد أيضاً الغايات النهائية ، و التى تحقيقها يعنى نجاح الحركة الكامل ، و فى بعض الأحيان يعنى عدم ضرورية وجود الحركة أصلاً ।




2- العقيدة ، و الانطلاق العقدى :إذا أردنا أن نكشف فى المعجم عن الأصل اللغوى لكلمة عقيدة ، سنجدها فى مادة ( ع – ق – د ) ؛ باب العين فصل القاف مع الدال .
و من ذلك يمكننا أن نعرف العقيدة لغةً ؛ بأنها الشئ الذى يعقد عليه ، و العقد هو أعلى درجات الرباط .و تحتاج العقيدة لتتكون بهذا الشكل ثلاث مراحل :
أ‌- مرحلة عقلية : هنا تحدث قناعة عقلية تامة بمبادئ و أصول هذه العقيدة .
ب‌ مرحلة إيمانية قلبية : هنا تتمثل هذه القناعة فى عاطفة إيمانية صادقة .
ت‌- مرحلة سلوكية : هى نتيجة طبيعية لهذه لعاطفة الحقيقية ، و هنا نجد أن الإيمان بهذه العقيدة متمثل فى تصرفات الإنسان و سلوكياته .

للعقيدة خصيصيتان فى منتهى الأهمية :
1- قد تكون العقيدة عبارة عن فكرة بسيطة ، أو عدة أفكار مركبة ، فتركيبية الأفكار ليست شرطاً من شروط العقائد
.2- العقائد لا تخضع – مطلقاً – للتغيرات المجتمعية الزمانية أو المكانية ، و على ذلك فإنه يمكننا أن نقول أن العقيدة تتجاوز الزمانية و المكانية .
و هاتان الخصيصيتان هما من أهم مايميز العقيدة عن الايديولوجيا ، و سنتعرض لذلك بالتفصيل فيما بعد .

كما أن العقائد لها معايير كمية ، فهناك من يعتقد فى شئ بنسبة 30 بالمائة ، و هناك من يعتقد فى نفس الشئ بنسبة 90 بالمائة ، و من هنا نستطيع تفسير قول رسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) لصحابته ؛ ما سبقكم أبو بكر بكثير صلاة أو صيام ، و إنما سبقكم بشئ وقر فى قلبه ، مع أن الصحابة كانوا مؤمنين ، إذن فهناك معنى آخر – توحيه إلينا كلمة سبقكم – ذلك المعنى فى رأيى هو المعيار الكمى .
و للعقائد أمثلة كثيرة نذكر منها :
1- الاعتقاد فى وحدانية الله : يقول الله تعالى ” ما اتخذ الله من ولد و ما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق و لعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ” صدق الله العظيم .
2- الاعتقاد فى المبدأ الحلولى الكمونى ؛ و الذى يبين لنا أن الإله قد حل تماماً فى الكون ، وبذلك فإن المرجعية النهائية – التى كان الإله مركزها – أصبحت كامنة فى هذا الكون حالةً فيه ؛ و من هذه العقيدة تولدت العديد من الايديولوجيات و الفلسفات الغربية ؛ خاصة فيما عرف بعصر التنوير بأوروبا .
3- الاعتقاد فى أن الإله قد حل فى إرادة الشعب : و هو ما أسس للفكر الماركسى و الثورى بشكل عام .
4- الإعتقاد فى أن المسيح هو ابن الله .
و غير ذلك الكثير و الكثير من العقائد التى مر بها التاريخ البشرى .
الانطلاق الحركى من العقائد فحسب ، بمعنى الانطلاق المباشر من العقيدة قبل صياغة الإيديولوجيا ، أو تحديد الاستراتيجية ، يؤدى ذلك إلى ظهور حركات تتميز بقدر عالٍ من الحماس ، و لكنها تفتقر إلى النضج الفكرى و الحركى .
تعرف هذه المرحلة ؛ بمرحلة الصحوة .يمكن التمثيل على ذلك ؛ بالحركات الإسلامية فى السبعينيات و الثمانينيات فى مصر .
3- الأيديولوجيا :
يمكننا أن نعرف الأيديولوجيا ؛ بأنها مجموعة من الأفكار التى تتعاقد و تتشابك لتنتج ما يعرف ” بالمنهج الفكرى المرجعى ” ، الصالح لمرحلة زمنية معينة ، بمكان و واقع معين .
و المنهج الإيديولوجى ؛ هو منهج تطرح فيه الإشكاليات الفكرية المثارة ، كما تطرح الرؤى و الحلول التى تتبناها الحركة و المنظمة .
كيف تصاغ الأيديولوجيا ؟
1- بدايةً ؛ تحتاج الأيديولوجياإلى عقيدة واضحة ترتكز عليها ( و هى التى تحدد الثوابت ) .
2- بالإضافة إلى الأفكار النظرية التى تعتمد على طبيعة المكان و الزمان ( الرؤى الحالية ) .
3- و تحتاج لصياغتها إلى وجود منظرين فاعلين ، يعملون على الربط بين المبادئ العقدية ” الثوابت ” و الأفكار النظرية ” الرؤى ” .

انتشار المنهج الأيديولوجى : يعتمد المنهج الأيديولوجى فى انتشاره فى المجتمع على عدة عوامل من أهمها :1- العقيدة التى يستقى منها ذلك المنهج ، و تواجدها فى المجتمع بمعياريها الكيفى و الكمى ، فالمجتمعات الإسلامية أكثر تقبلاً للأيديولوجيات المستقاة من عقائد إسلامية ( المعيار الكيفى ) ، و المجتمعات الأكثر تمسكاً بالإسلام و مبادئه ستصبح أكثر قابلية لانتشار الايديولوجيات الاسلامية وسطها عن المجتمعات الأقل تمسكاً بالإسلام ( المعيار الكمى ) .
2- ملائمة الأفكار النظرية الموضوعة ( الرؤى ) للواقع و إشكالياته .
3- فعالية منظرى ذلك المنهج الايديولوجى فى صياغته ، و توصيله للشرائح المختلفة فى المجتمع.

كما نذكر ؛ أنه من أهم خصائص المنهج الأيديولوجى الواضح و الواقعى ؛ أنه يضمن إلى حد كبير الوحدة الفكرية بين أبناء الحركة أو المؤسسة المتبنية لهذا المنهج ، و ذلك دون الوقوع فى إشكالية القولبة ، ذلك أن المنهج الواضح يمكننا من تحديد الأطر جيداً ، و التمييز بين الثوابت و الرؤى الحالية ( الزمانية و المكانية ) .
الإنطلاق الحركى المباشر من الأيديولوجيا ( دون تحديد إستراتيجيات حركية واضحة ) يؤدى إلى ظهور حركات تتميز بنضج فكرى عام ، و لكنها تفتقر إلى النضج و الوعى الحركىو ذلك ما يؤدى – فى الغالب – إلى ظهور نتائج أقل من المتوقعة ، و هو ما يؤدى بطبيعة الحال إلى انخفاض مستوى الحماس العام بين أفراد الحركة أو المؤسسة ।



4- الإستراتيجية الحركية ” آليات العمل ” :
يمكن أن نعرف الإستراتيجة ؛ بأنها مجموعة من الخطوات المتتالية ، المخطط لها مسبقاً من قبل حركة أو منظمة .أما الحركية : فهى تتعلق بنوعية التخصص و المجال الذى تعمل به الحركة أو المنظمة ، فإذا كانت تعمل مثلاً فى المجال السياسى ، نستطيع أن نتحدث عن الاستراتيجية السياسية .
تعتمد الاستراتيجية الحركية على المنهج الأيديولوجى الذى تتبناه المنظمة أو الحركة ؛ بثوابته العقدية الفلسفية و رؤاه الحالية ( الزمانية و المكانية ) .
2- القاعدة الجماهيرية لهذه المنظمة .
3- موازين القوى على صعيد العمل النوعى التخصصى الذى تعمل المنظمة من خلاله .
4- المناورات و التكتيكات الحركية ، و ضوابطها النوعية و الكمية ، طبقاً لايدولوجية المنظمة .

الإنطلاق الحركى من الإستراتيجية الحركية المرتكزة إلى أيديولوجيا حقيقية يؤدى إلى ظهور حركات تتميز بنضج فكرى و حركى .و هو ما يؤدى فى الغالب إلى ظهور نتائج إيجابية ، و بالتالى فإن هذه المرحلة تتميز بجماس عالٍ نظراً لإيجابية النتائج .
مثال : حزب العدالة و التنمية التركى ؛ نجد أنه يتميز بعقيدة راسخة ، و ايديولوجيا واقعية ، كما أنه يمتلك استراتيجية حركية متميزة .
مقارنة تجميعية بين الأشكال المختلفة للانطلاقات الحركية:


Saturday, November 7, 2009

ادب الاختلاف ...غزلان والقرضاوي نموذجا

غزلان والقرضاوي
اختلاف مشروع ام تفرق مذموم ؟

الحقيقة هالني ما هالني حين عدت للاجازة لاسمع من بعض الاصدقاء ان الدكتور غزلان قد رد علي العلامة يوسف القرضاوي
بخصوص ما قاله في الموضوع المتعلق بالدكتور عصام وخاصة ان رد الفعل كان مبالغا فيه فصدمني قبل ان اقرأ
في البداية تألمت الما شديدا
لان بالنسبة لي كلاهما شكل لي جزءا كبيرا من فكري وتربيتي
واتذكر جيدا ان اول كتااب اقرأه للقرضاوي كان من مكتبة الدكتور محمودغزلان وفي منزله وان الدكتور محمود كان من اوائل من نصحني بقرأة كتب القرضاوي

وهذا يجعل من الصعب جدا لدي ان اتحيز لاحدهما دون الاخر او ان ادافع عن رأي احدهما دون الاخر
فهما لي كأب وجد ومشاعري تجاههما مشاعر ابن نحو ابيه وجده

ويصعب علي ان اقوم بالتعليق علي موضوع مثل هذا يتحدث فيه استاذ عملاق كالقرضاوي وتلميذ نجيب له كغزلان والذي بدوره هو استاذ لجيل يليه

وكنت قد قررت منذ فترة الا اكتب عن الاخوان بشكل مباشر لاسباب عديدة لا نقدا ولا مدحا ولا دفاعا ولا هجوما لاسباب ليس هنا محل شرحها ولا مجال عرضها وأثرت ان اكتب دائما بشكل عام عن الحراك الموصوف بالاسلامي والاخوان هم جزء منه بالتبعية

واليوم انا لن اغير قراري او ابدل مبدأي في عدم الحديث فانا لن اعرض رأيي في مسألة الدكتور عصام عريان
وانما سأتحدث عن الاختلاف الذي ظهر علي صفحات الجرائد بين غزلان والقرضاوي وسأسميه الحوار المتبادل وليس الاختلاف احتراما لكلاهما وتقديرا لحجمهما
**************
اولا : المتابع للساحة في الفترة السابقة يجد ان هناك حوارا تم تبادله سابقا بين الدكتور غزلان والمهندس يوسف ندا ووقتها ربما لم تسنح لي الفرصة للكتابة حوله ولو سنحت لم اكن لاكتب علي الرغم انه قد احزنني بعض ما ورد في الحوار وان كنت سعيد بحدوث تلك التجربة الحوارية علي مالها من سلبيات وحزين للغاية للطريقة التي دافع بها بعض الشباب عن الاول او الثاني وقليل من استطاع تقييم الحوار بشكل علمي بعيدا عن الشخصنة او الدفاع والهجوم * وقد وجب الاشارة الي هذا الحوار للدلالة علي ان حديثنا اليوم ليس عن حوار هو الاول من نوعه

وان كنت اري اختلافا جوهريا بين الحوارين وهو ان الاول كان يدور بين فردين من داخل التنظيم وكلاهما يعبر عن رأيه الشخصي وليس رأي الاخوان اما الحوار الثانني فهو بين عضو في التنيظم وفرد من خارج التنظيم

ورؤيتي لكلا الحوارين تدور علي انهما نماذج لترشيد فقه الاختلاف والتعلم ن اخطاء السابقين ودل علي هذا تطور لهجة الخطاب في حوار غزلان والقرضاوي عنه في حوار غزلان وندا
وانا هنا لست في صدد تقديم مقارنة بين الحواريين وان كان الحواريين يستحقا بالفعل ان يقارنا ليلاحظ التطور في ادبيات الحوار وفقه الاختلاف
*******************
بداية : اردت بكتابة تعليقي هذا ان لا يخوض شباب الحركة المبدعين والمفكرين من اصحاب الطاقات الابداعية في خلافات ما بين مدافع عن او مهاجم لـ وان لا تقوم معركة بما يسميهم الاعلاميين بالاصلاحييين والمحافظين لاني اؤمن ان كل اصلاحي يريد تجديد الوسائل دون المساس بالثوابت الشرعية فهو محافظ وكل محافظ يريد حفظ ثوابت دينه فهو اصلاحي ولابد من كلاهما المجدد للوسائل والمحافظ علي الثوابت لتكون حركة التجديد قد تعدت افة الجمود وابتعدت عن افة التطرف واتخذت بين ذلك سبيلا وسطا
***

ساقوم اولا بوضع مجموعة من المقاطع من كلا المقالين معنونين في خمس نقاط واختم في السادسة بتلخيص موجز والله المستعان

النقطة الاولي : تحديد الحجم الادبي

غزلان : ما كنت أتصور أن يأتى اليوم الذى يرد فيه مثلى على مثلك، وأنا أعتبر نفسى من تلاميذك الذين نهلوا من فيض علمك، ودرسوا كثيراً من كتبك، وتأثروا بمنهجك ومذهبك،
ولا أحسب أحداً من الإسلاميين فى هذا الزمان إلا ويقر بفضلك ويقدر جهدك واجتهادك وفكرك وفقهك، وبقدر هذه المكانة الكبيرة فى نفوسنا

القرضاوي : ما كنتُ أحسب أن تصريحى لجريدة «الشروق» القاهرية سيُحدث كلَّ هذا الزلزال والتداعيات، وقد حُمِّل أكثر مما يحتمل، وحُمِّل ما لا يحتمل،
أنا لم أكتب مقالة، أو بحثا عن الإخوان، بل صرَّحت تصريحا، كان جوابا عن سؤال، فيجب أن يؤخذ فى سياقه وسباقه.

النقطة الثانية : تحديد النية الصالحة

غزلان : ولقد انتظرنا عدة أيام لعلك تكذب هذه التصريحات إلا أن فضيلتك لم تفعل، ومن ثم كان لزاماً علينا أن نتوجه إليك بالنصيحة التى هى الدين، كما علمنا المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وبالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأنت خير من يعلم حكمهما الشرعى


القرضاوي : أردتُ بتصريحى لصحيفة «الشروق» أن أُحدث هزَّة فى الإخوان، تخرجهم من الركود،
ولم أُرد الإساءة إلى أحد من مكتب الإرشاد الحالى،
لا أظنُّ بالجميع إلا خيرا، فهذا هو شأن المسلم، وهذا شأنى مع كلِّ الناس، فكيف بجماعة تقوم على تجديد الدين، والنهوض بالأمة، ونشر الدعوة، وتربية الأجيال على الإسلام. لا يمكن أن أظنَّ بها السوء،


النقطة الثالثة : حفظ المقام وادب الحوار

غزلان :
فضيلة الدكتور.. تعلمنا منك كثيراً من المبادئ والقيم والأفكار والأخلاق والأحكام
لا أخال فضيلتك تجهل أن الإعلام ـ علاّمة مثلك - يا صاحب الفضيلة - هل علمت يا سيدى لماذا كانت صدمتنا عظيمة وحسرتنا فادحة!
- ظلم ذوى القربى أشد مضاضة –
القضية يا سيدى إن فضيلتك من أكثر العلماء دعوة للالتزام بالشورى - فضيلتك
إننا يا سيدى لا نقف فى وجه أحد من الإخوة- إننا كنا ننتظر من فضيلتك أن تعرف الحقيقة كاملة أولاً

فإننا ننتظر من فضيلتك بمقتضى مقام العلم وكرامة الدعوة وفضيلة الخلق أن تصحح ما حدث، فمازال الكثيرون يتوقعون من فضيلتك درساً بليغاً بلسان الحال والمقال، ولئن فعلت ذلك فقد سبقك فيه من هو خير منا ومنك الفاروق وذو النورين رضى الله عنهما

وإذا التمسنا العذر للعامة الذين تشكل الحملات الإعلامية الظالمة وعيهم، فمثلك أكبر بكثير من أن يتأثر

القرضاوي :
فكيف بجماعة تقوم على تجديد الدين، والنهوض بالأمة، ونشر الدعوة، وتربية الأجيال على الإسلام. لا يمكن أن أظنَّ بها السوء،
هذا لا يعنى تجريد الآخرين من الفضل، فإن صيغة (أفعل التفضيل) كما تعلَّمنا فى (النحو): تستوجب اشتراك الجميع فى الأمر، وزيادة بعضهم فيه

وفى كتابى (الإخوان المسلمين سبعون عاما فى الدعوة والتربية والجهاد): الإخوان ــ على ما فيهم من عيوب، وما عليهم من ملاحظات ــ هم أفضل المجموعات الموجودة على الساحة المصرية والعربية والإسلامية، من حيث سلامة العقيدة، واستقامة الفكر، وطهارة الخلق، ونظافة اليد، والوعى بقضايا الأمة، والغيرة على حرماتها؟

الإخوة الذين علَّقوا على تصريحى بأدب وحسن خلق، أمثال د. محمود غزلان الذى أعرفه منذ زمن، ود.
أحمد عبدالعاطى، الذى لم أسعد بمعرفته، أشكر لهما حسن أدبهما وذوقهما،

نى لم أقصد الإساءة إلى أحد منهم ولا من إخوانهم. وكيف وأنا أعتبر أبناء الدعوة والصحوة كأنهم أفلاذ كبدى!
فأنا لا أقصد أىَّ أحد من الموجودين معاذ الله،

كما ليس بينى وبين أحد من الإخوان الذين اعتبرونى مضادًّا لهم أى عداوة أو خصومة، أو نفرة بوجه ما، وكلُّهم أبنائى وإخوانى،
حتى مَن انتقدتُه وشددتُ عليه فى النقد، فإنما هى شدَّة الوالد على ولده فى بعض الأحيان؛
ومَن ظنَّ من إخوانى وأبنائى أنى أسأتُ إليه، أو قسوتُ عليه، فأنا أعتذر إليه.


النقطة الرابعة :صلب الموضوع ..تقديم نقاط الاتفاق وتقليل نقاط الاختلاف
1. البعد عن الاحداث
غزلان : اتخذت موقفاً قاسياً من قضية لم تحط علماً بأبعادها وتفاصيلها،
القرضاوي : واستغرابى لسقوط العريان فى أىِّ انتخابات داخل الإخوان: استغراب مشروع، من إنسان يراقب من بعيد،
2.الظن
غزلان : أم استقيت معلوماتك من الظن؟
القرضاوي : ولا أظنُّ بالجميع إلا خيرا لا يمكن أن أظنَّ بها السوء،
3.
منطلق الحديث
غزلان : أم استقيتها من أحد الأطراف؟
القرضاوي :
وتزكيتى لعصام، إنما كانت لمعرفتى به وبمواهبه وقدراته، وليس على الإنسان أن يشهد إلا وفق معرفته: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا}
4.
اتهام اعضاء المكتب
غزلان : أن تتهم أعضاء مكتب الإرشاد بخيانة الدعوة والجماعة والأمة؟
القرضاوي : ولم أُرد الإساءة إلى أحد من مكتب الإرشاد الحالى،
وتخصيص إنسان بالمدح لمناسبة لا يقتضى ذمَّ الآخرين،
هذا لا يعنى تجريد الآخرين من الفضل، فإن صيغة (أفعل التفضيل) كما تعلَّمنا فى (النحو): تستوجب اشتراك الجميع فى الأمر، وزيادة بعضهم فيه.

غزلان : أن تصف إخوانك بالمتردية والنطيحة وما أكل السبع؟
القرضاوي : وما أخذوه علىَّ من كلمة (المتردية والنطيحة)، فأنا لا أقصد أىَّ أحد من الموجودين معاذ الله،
وأحب أن أذكر: أنى لم أقصد الإساءة إلى أحد منهم ولا من إخوانهم. وكيف وأنا أعتبر أبناء الدعوة والصحوة كأنهم أفلاذ كبدى!
5.
توحيد الهدف
غزلان : ننا يا سيدى لسنا طلاب مناصب، فهى فى حالتنا ـ كما تعلم ـ خطر جسيم وعبء ثقيل
القرضاوي : يعلم الله وحده أنه لا هدف لى من وراء ما قلتُه أو أقوله، إلا وجه الله، ونصرة الإسلام، وخدمة الدعوة،

النقطة الخامسة : الختام
غزلان : فإننا ننتظر من فضيلتك بمقتضى مقام العلم وكرامة الدعوة وفضيلة الخلق أن تصحح ما حدث، فمازال الكثيرون يتوقعون من فضيلتك درساً بليغاً بلسان الحال والمقال، ولئن فعلت ذلك فقد سبقك فيه من هو خير منا ومنك الفاروق وذو النورين رضى الله عنهما.

وختاماً تقبل منا خالص الود والمحبة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


:القرضاوي
كما ليس بينى وبين أحد من الإخوان الذين اعتبرونى مضادًّا لهم أى عداوة أو خصومة، أو نفرة بوجه ما، وكلُّهم أبنائى وإخوانى، حتى مَن انتقدتُه وشددتُ عليه فى النقد، فإنما هى شدَّة الوالد على ولده فى بعض الأحيان؛
اللهم إن كنتُ أحسنت فتقبَّل منى، وإن كنتُ أسأتُ فاغفر لى، ومَن ظنَّ من إخوانى وأبنائى أنى أسأتُ إليه، أو قسوتُ عليه، فأنا أعتذر إليه. وما قصدتُ سوءا بأحد: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب} [هود: 88].


**********************
تلخيصا :

اولا : تحديد النية

كلاهما اراد النصيحة(نتوجه إليك بالنصيحة -أن أُحدث هزَّة فى الإخوان، تخرجهم من الركود) وهو حق مشروع لهما علا مقام من علا وقل مقام من قل ويظل النصح المتبادل واجبا

ثانيا: تحديد الحجم الادبي

بدأ غزلان رسالته كما اسلفنا بحفظ المقام الادبي للعلامة القرضاوي (وأنا أعتبر نفسى من تلاميذك- ولا أحسب أحداً من الإسلاميين فى هذا الزمان إلا ويقر بفضلك) فجاء رد القرضاوي
يحفظ مقام غزلان والجماعة (هم أفضل المجموعات الموجودة على الساحة المصرية والعربية والإسلامية- أشكر لهما حسن أدبهما وذوقهما،)يحدد حجم الموضوع (وقد حُمِّل أكثر مما يحتمل، وحُمِّل ما لا يحتمل،- صرَّحت تصريحا، كان جوابا عن سؤال)

ثالثا : حفظ المقام الادبي

وهنا قدم كلاهما نموذجا فريدا في الاحترام المتبادل رغم الاختلاف
فنري غزلان لم يتحدث في موضع عن القرضاوي الا قائلا (ياسيدي4 مرات -فضيلتك 8 مرات –ياصاحب الفضيلة 4 مرات –ذوي القربي –علامة مثلك ) ليرد القرضاوي (الإخوة الذين علَّقوا على تصريحى بأدب وحسن خلق، أمثال د. محمود غزلان- أشكر لهما حسن أدبهما وذوقهما- وأنا أعتبر أبناء الدعوة والصحوة كأنهم أفلاذ كبدى!- وكلُّهم أبنائى وإخوانى- شدَّة الوالد على ولده- ومَن ظنَّ من إخوانى وأبنائى أنى أسأتُ إليه، أو قسوتُ عليه، فأنا أعتذر إليه.)

رابعا: صلب الموضوع

تم الرد علي الموضوع والاستفسارات التي اوردها غزلان بشكل موضوعي ومنطقي لايتعرض للاشخاص انما يستعرض الوقائع واسبابها ودوافعها ومبرراتها وكل هذا يدخل في اطار الاختلاف المشروع لا التفرق المذموم

خامسا : الختام

قدم كلاهما ختاما يليق برجال الدعوة وقادتها المخلصين فالاول
تعامل كتلميذ ينتظر ردا من صاحب مقام رفيع في العلم
والخلق
(يتوقعون من فضيلتك درساً بليغاً بلسان الحال والمقال )الثاني تحمل مسؤلية استاذيته و يقدم اعتذارا ليس عن خطأ ارتكبه بل عن ما يمكن ان يكون قد اختلج في نفوس ابنائه وفلذات اكباده من ظن (َن ظنَّ من إخوانى وأبنائى أنى أسأتُ إليه، أو قسوتُ عليه، فأنا أعتذر إليه. وما قصدتُ سوءا بأحد) فنعم الاستاذ ولنعم التلميذ

وليكن لنا في هذا علما نتعلمه وفقها نتدارسه وادبا نتخلق به في حواراتنا
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

ان اصبت فمن الله وان اخطأت فمن نفسي والشيطان

م . اسلام العدل

******
تعليق ابراهيم الهضيبي علي حوار غزلان ندا
http://islamyoon.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1239889020536&pagename=Islamyoun%2FIYALayout

مقال دكتور غزلان في جريدة المصري اليوم
http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=231617

مقال دكتور يوسف القرضاوي علي موقعه
http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=7338&version=1&template_id=119&parent_id=13